عبد الخالق كيطان ........ الأنبار وداعش

عبد الخالق كيطان

أبدأ اليوم بجملة تقريرية بالرغم من أنني أكره الجمل التقريرية، ومع ذلك أقول: كان بإمكان الحكومة العراقية أن تسحب البساط من تحت أقدام التنظيم الإرهابي "داعش" دون أن تطلق هذه الحملة العسكرية التي لم نتبين نتائجها النهائية بعد. أما كيف؟ فالجواب بسيط للغاية.
يقوم فكر هذا التنظيم، على ما يرى الباحث السعودي جمال خاشقجي، على تطرّف التطرّف، ولهذا، فلم يكن من المستغرب أن يكون المزاج العام في المناطق السنيّة العراقية ناقماً عليه، أو، بعبارة أكثر تلطفاً: غير متعاطف معه. وسيسارع طائفي في الطرف الآخر إلى تساؤل استنكاري تقليدي: وماذا عن قطع الرؤوس، والحاضنة، والملاذ الآمن؟ واسارع، بدوري، للإجابة فأقول: هذا صحيح، وهو ما قصدته في أول الكلام.
لقد أدّى التعامل الطائفي للحكومة مع المناطق السنيّة إلى تفجير التطرّف عند شباب يائس وغاضب. ولم يكن هؤلاء سوى اللقمة السانحة لعناصر داعش، والتي قامت، بدورها، باستقطابهم وتجنيدهم، وتفخيخهم أيضاً. ولكن، ما نسبة هؤلاء إلى عموم المواطنين في المناطق السنيّة؟ من المؤكد أنهم لا يشكّلون الأغلبية، ولهذا نقول: كان بإمكان الحكومة العراقية أن تسحب البساط من تحت أقدام إرهابيي داعش دون حملات عسكرية، فقط لو تعاملت مع أهالي الأنبار، والمناطق السنيّة، بوصفهم مواطنين من الدرجة الأولى، وليسوا أبناء طائفة مغضوب عليها بسيف 4 إرهاب.
وحتى يمكنكم تأكيد مثل هذه الجملة التقريرية التي أتحدّث بها، أعيدوا قراءة المعارك التي حصلت في الأسابيع الماضية، وستجدون أن أبناء العشائر الذين يكرهون التنظيم الإرهابي، سواء أكان داعشياً أو قاعدياً، عندما أرادوا محاربته، وهي مهمة الجيش الحكومي المعلنة ذاته، ترددوا كثيراً في التحالف مع هذا الجيش، وفضّلوا مواجهة الإرهابيين منفردين، ثم أجبرهم نقص التسليح إلى الإتصال بالجيش عبر الشيخ أبو ريشة، والذي تلقى تعنيفاً كبيراً من ابناء الأنبار على هذا الاتصال. القصة واضحة: نعم نكره إرهابيي داعش والقاعدة، ولكن الحكومة دفعت بعض أبنائنا دفعاً للإرتماء في أحضان الجماعات الارهابية، وبالرغم من أننا نكره تلك الجماعات إلا أننا نكره هذه الحكومة أيضاً!
لا ينمو التطرّف إلا في البيئة الملائمة، وهي بيئة غير مستقرّة، ومليئة بالكراهية، والتشكيك، والخوف من الآخر. وهذا كلام مفروغ منه، لكن الذي حصل، أن الحكومة العراقية إنما وفّرت الظروف المناسبة تماماً لنموّ التطرف، ليس في الأنبار فقط، بل وفي مدن أخرى كثيرة.
الميليشيات الشيعيّة تستعرض وسط بغداد، وتريد من السنّة في الأنبار أن يصفّقوا لحكومة الشراكة الوطنية!
صور رموز الشيعة في شوارع الأحياء السنيّة وتريد من شباب السنّة في غير مدينة أن يباركوا تعليق تلك الصور، بل ويشعلون النيران تحتها ويؤدون رقصة الحبور والثناء!
يافطات: "يا لثارات الحسين" في التقاطعات العامّة في العاصمة، بينما سيارات الجيش والشرطة تجوب الأحياء السكنية وهي تبث اللطميّات وترفع البيارغ السود والخضر، وتريد من ابناء السنّة أن ينتظموا في الكورس!
الحكومة العراقية هي السبب. هذه هي الجملة التقريرية الجديدة التي عليّ أن أثبّتها هنا. وعليّ، في الوقت ذاته، أن أقول أنني أنتمي، بحق، لحيرة أبناء الطبقة الوسطى السنيّة، من متعلمين ومثفقين، وهي حيرة سببها أننا نكره التنظيمات الإرهابية، الداعشية والقاعدية، ونأمل أن نرى اليوم الذي تختفي فيه تلك التنظيمات القبيحة من حياتنا، ولكننا في الوقت عينه لا نثق بالحكومة، فهي ترى في أبناء السنّة: قاعديون تكفيريون داعشيون بعثيون، طالما وجّهوا لها النقد، أو نظروا بغير ارتياح لأعمالها. فما العمل؟
 عليّ أن أختم كلمتي بجملة موجّهة لحكومتنا: ماذا لو قمتم بمدّ اليد لأخوتكم في المناطق السنيّة؟ وأعني أن تنسوا تعابيركم الثأرية، وتدشّنوا صفحة جديدة في التعامل مع مواطنيّ تلك المناطق؟ هل فكّرتم بنتائج ذلك على مستوى الصراع مع التنظيمات الإرهابية الداعشية والقاعدية؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ليبيا تتوج بلقب امم الافريقية للاعبين المحليين

52 قتيلا حصيلة الاشتباكات حول مطار طرابلس

كيف تختارين العاباً سليمة لطفلك؟